المقريزي
114
إمتاع الأسماع
أيضا ، لأنه صلى الله عليه وسلم معصوم قبل النبوة وبعدها . ومنها قول سفيان الثوري : ليغفر لك ما كان في الجاهلية ما علمت وما لم تعلم ، وهو مردود بمثل الذي قبله ، ومنها قول عطاء الخرساني : ليغفر لك ما تقدم من ذنب أبويك آدم وحواء ببركتك ، وما تأخر من ذنوب أمتك بدعوتك على حذف مضاف . ومنها ما حكى عن مجاهد : ( ليغفر لك ما تقدم ) من حديث مارية وما تأخر من امرأة زيد ، وهذا قول باطل ، فإنه لم يكن في قصة مارية وامرأة زيد ذنب أصلا ، وقد أوردنا ما جاء في قصتيهما عند ذكر أزواجه وسراريه صلى الله عليه وسلم ، وليس فيهما ما يعد زلة ولا ذنبا ، ومن اعتقد ذلك فقد أخطأ . ومنها قول الزمخشري : جميع ما فرط منك ، وهذا مردود بشيئين : أحدهما : عصمة الأنبياء ، وقد أجمعت الأمة على عصمتهم فيما يتعلق بالتبليغ وفي غير ذلك من الكبائر ومن الصغائر الرذيلة التي تحط مرتبتهم ، ومن المداومة على الصغائر ، فهذه الأربعة مجمع عليها ، واختلفوا في الصغائر التي لا تحط مرتبتهم ، فذهبت المعتزلة ، وكثير من غيرهم إلى جوازها ، والمختار المنع لأنا مأمورون بالاقتداء في كل ما يصدر منهم في قول وفعل ، فكيف يقع منهم ما لا ينبغي ، ونؤمر بالاقتداء بهم فيه ؟ وتجاسر قوم على الأنبياء فنسبوا إليهم تجويزها عليهم مطلقا ، وهم محجوجون بما تقدم من الإجماع ، ثم إن الذين جوزوا الصغائر لم يجوزوها بنص ولا دليل ، وإنما أخذوا ذلك من هذه الآية وأمثالها ، وقد ظهر بجواب هذه ، وفي كل موضع من الباقيات يذكر جوابه إن شاء الله تعالى . والذين جوزوا الصغائر التي ليست برذائل ، قال ابن عطية : اختلفوا هل وقع ذلك من محمد صلى الله عليه وسلم أو لم يقع ؟ قال كاتبه : والحق الذي لا مرية فيه أنه لم يقع ، وكيف يستحيل خلاف ذلك وأحواله صلى الله عليه وسلم منقسمة إلى قول وفعل ؟ أما قول ، فقال تعالى : ( وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى ) ( 1 ) ، وأما الفعل ،
--> ( 1 ) النجم : 3 - 4 .